✽ قصيدة «إن قامَ يحجلُ جعفَرٌ في حضرتِهْ» ✽
السّلامُ عليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ الله وبركاتُه..
ما أجملَ فرحةَ سيدي جعفر بن أبي طالب، أبي المساكين، وهو يستقبل ويتقلد وسامًا فريدا ما توشّحَ به غيرُه، ويا لروعةِ المشهد، وجمال المنظر!
فلقد خاطبه المحبوب الأعظم، والنبيُّ الأكرم، كما في البخاري:
«أشبهتَ خَلقِـي وخُلُقِي».
فما تمالكَ، وأنّى له ذلك؟! وعبّرَ عن مكنونِ سرِّه بحركاتٍ عفويةٍ يضعُ رجلاً ويرفَعُ أخرى، كما في فتح الباري من "حديث علي عند أحمد وكذا في مرسل الباقر؛ فقام جعفر فحجل حول النبي صلى الله عليه وسلم دار عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
ما هذا؟ قال: شيء رأيت الحبشة يصنعونه بملوكهم".
وفي حديث ابن عباس: "أن النجاشي كان إذا رضي أحدا من أصحابه قام فحجل حوله".
وحجل بفتح المهملة وكسر الجيم، أيْ: وقف على رجل واحدة، وهو الرقص بهيئة مخصوصة. وفي حديث عليّ المذكور أن الثلاثة فعلوا ذلك.
* أي: جعفر وزيد بن حارثة وعليّ رضي الله عنهم، بعد أن خلع على كل واحدٍ منهم صفةً مباركة، ومنقبة عظيمة..
ورضي الله عن سيدي ثوبان مولى الحبيب صلّى الله عليه وسلم، وقد رحل فكره إلى الدار الآخرة وهو حيٌّ، يتملّى بخدمة ورؤية وصحبة المحبوب الأعظم صلى الله عليه وسلّم:
فكيف يكون الحال في الجنة؟ إن دخلها فمقامه دون مقام الأنبياء، وإن لم يدخلها لا يراهُ أبدا!
وأصابته من ذلك التفكير حالةٌ قلبية تلبّسته، وانعكست على جسمه، فما كانت بقيةُ أمره؟
ذلك ما يُجيبنا الإمام البغوي رحمه الله فيقول:
قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين) الآية، نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه، يعرف الحزن في وجهه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ما غير لونك؟" فقال: يا رسول الله، ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك لأنك ترفع مع النبيين، وإني إن دخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدا، فنزلت هذه الآية.
ونُتابع معه وهو يستعرضُ الأقوال الجميلة والأحاديث المسنودة، وقد حذفنا الإسناد اختصارا..
.. وقال قتادة: قال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:
كيف يكون الحال في الجنة وأنت في الدرجات العُلى ونحن أسفل منك؟ فكيف نراك؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
(ومن يطع الله) في أداء الفرائض، (والرسول) في السنن (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين) أي: لا تفوتهم رؤية الأنبياء ومجالستهم، لا أنهم يرفعون إلى درجة الأنبياء، (والصديقين) وهم أفاضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والصدِّيق المبالغ في الصدق، (والشهداء) قيل:
هم الذين استشهدوا في يوم أحد، وقيل: الذين استشهدوا في سبيل الله، وقال عكرمة: النبيون هاهنا: محمد صلى الله عليه وسلم، والصديقون أبو بكر، والشهداء عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، (والصالحين) سائر الصحابة رضي الله عنهم، (وحسن أولئك رفيقا) يعني: رفقاء الجنة، والعرب تضع الواحد موضع الجمع، كقوله تعالى:
(ثم نخرجكم طفلا) أي: أطفالا، (ويولون الدبر) أي: الأدبار.
... عن ثابت، عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله، الرجل يُحب قوما ولما يلحق بهم؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "المرء مع من أحب".
... عن الزهري، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله، متى الساعة؟
قال: "وما أعددت لها؟"
قال: فلم يذكر كثيرا، إلا أنه يحب الله ورسوله، قال:
"فأنت مع من أحببت".
ويا سيِّدي وسيد ولد آدم، صلّى الله عليك، والصلاةُ من الله رحمةٌ مقرونةٌ بالتعظيم، ومنه جلّ جلاله رضوانٌ، وأسلِّمُ عليك المرّة بعد المرّة والفينة بعد الفينة؛ والسّلام من الله السلام سلام...